القاضي عبد الجبار الهمذاني
398
شرح الأصول الخمسة
حجته إن لو قدروا . فإن قيل ، لم يقع النزاع في ذلك ، فمعلوم أنهم كانوا في غاية الحرص على دفعه بما أمكن ، وإنما الكلام في أن ذلك لم يمكنهم إلا بالمعارضة وذلك مما لا وجه ، فإن القوم لم يعلموا طريقة المعارضة والحجاج ، ولو علموا ذلك تقديرا ، فلم يعلموا أن أمره يبطل بالمعارضة . قيل له : أما الأول ، فلا يصح ، لأن المعارضة كانت عادتهم ، ولهذا لم يأت شاعر بقصيدة فيما بينهم إلا وشاعر آخر يعارضه أو رام معارضته ، وهذا معلوم من حال شعرائهم ، نحو امرئ القيس وعلقمة وأشباههما ، وأما الثاني ، فباطل أيضا ، لأن كل أحد يعلم أن خصمه إذا أتاه بأمر وادعى لمكانه منزلة عظيمة عليه ، وتحداه بمعارضته ، فإنه متى عارضه فقد أبطل دعواه ، وهذا مما لا يخفى على الصبيان فكيف على دهاة العرب ، فإن صبيا لو تحدى صبيا آخر ، وقال : إني أطفر هذا الجدول أو أشيل هذا الحجر وأنت لا تقدر عليه ، فإن الصبي الآخر يعلم أن دعواه تبطل بطفره ذلك الجدول أو بإشالته ذلك الحجر ، فكيف يصح ما ذكره . فإن قيل : إنهم أرادوا استئصاله فلهذا عدلوا عن المعارضة إلى المقاتلة ، لا لأنهم عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه . قلنا : لولا عجزهم عن الإتيان بمعارضة القرآن ، وإلا كانوا لا يريدون استئصاله ، فلما أرادوا ذلك واشتغلوا به ، دلنا على عجزهم عن المعارضة على ما ذكرناه . يبين ذلك ويوضحه ، أن هؤلاء الذين طولبوا بالمعارضة ، لو قدروا عليها لكان تكون المعارضة عليهم أسهل من استئصال محمد عليه السلام ومكانه في العرب المكان الذي كان ، ولا يليق بالعاقل البالغ الكامل العقل العدول عن الأمر السهل إلى الأمر الصعب إلا إذا لم يرتفع غرضه بالأمر السهل ، فحينئذ يعذر في العدول عنه إلى ما هو أصعب منه ، إلا فكيف اختاروا المقاتلة وهو صعب جدا ، على المعارضة التي كانت أسهل عليهم من كل شيء ؟ فلما اشتغلوا بالمقاتلة وأبوا إلا المحاربة التي كانت من المجوز أن لا يرتفع غرضهم بها بأن تكون الدائرة عليهم وتركوا المعارضة التي كانت عندهم بزعمهم بمنزلة الأكل والشرب والقيام والقعود ، تبيّنا عجزهم وقصورهم عن المعارضة على ما ذكرنا . فإن قيل : الغرض بالمقاتلة إنما كان إبطال دعواه وحسم مادته ، والقوم فقد علموا